مقتطف من كتاب ذكريات شاهد منسي
لملمتُ جراحي، كعادتي ثم أقمتُ صلاتي حتى كدتُ أتذكر… وجعي القديم يعرفه كل من أسّسوا لصاحبة الجلالة في الجزائر الحديثة… كل من أسّسوا لحرية الصحافة.
ورحم الله الرئيس الشاذلي بن جديد، حيث اهتدى بعد أحداث 1988 إلى ضرورة إطلاق العنان للتعبير... لمن لا يذكر قبل هذا التاريخ، كان الإعلام المكتوب والمسموع والمرئي تابعا للقطاع العام، وهاهو الرئيس يفرج أخيرا عن مكبوتاتنا كجيل تكوّن في المدرسة الجزائرية باللغتين (العربية والفرنسية).
فور حصولي على البكالوريا من ثانوية عين ولمان القديمة، دعاني صديقي سليم صالحي للالتحاق بالعاصمة وكان يسبقني بدفة… تردّدتُ قليلا، لكن شغف الشباب وحبّ الاطلاع دفعاني للامتثال لأمره، والتحقتُ بمعهد العلوم السياسية والعلاقات الدولية… التحقتُ ولم أكمل الدراسة لأن الصحافة كانت تناديني… وأيضا لأن القانون كان قد اخترق.
أطلق الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد فكرته،فاحتضنتها مجموعات إعلامية شابة وبعض الكفاءات من القطاع العام الذين التحقوا بالعهد الإعلامي الجديد.
عبد القادر … نعم الصاحب والزميل
كانت الغرفة “u4” بالحي الجامعي طالب عبد الرحمان ببن عكنون شاهدة على ميلاد جيل إعلامي فريد من نوعه وكان المبادر لهذه المغامرة المجنونة رجل عظيم بمعنى الكلمة… رجل لو وُزنت الدنيا ذهبا ما أنصفت همّته وعطاءه وبذله في عالم الصحافة المستقلة في الجزائر…أتألم اليوم وأنا أراه بعد كل تلك الخبرة والعلاقات قابعا في دولة الإمارات يفيد بخبرته الكبيرة دولة شقيقة… أغار إذ أرى رجلا مثل عبد القادر سلام،الشهير بالصغير سلام خارج العهد الجديد،فهو الذي بادر منذ البداية ودون أدنى تردّد للمْلَمة بقايا المصداقية، فاستفزّ ملكة الكتابة لديّ بكل وضوح وثقة، دفعني لعالم غامض موحش مثير ومدهش… ترك فيّ ذلك الرجل شموخ جبال الأخضرية وجرأة سهو بها الخضراء… كان ينعش أفكاري كلما اضمحلّت وكان نعم الصاحب والصديق.. أخذني من حضن الأخ الزميل عبد الرحمان هنانو، المكنى أبو سمرة من مجلة الطالب، حيث كان إذ ذاك يشغل منصب مدير تحرير لسان حال الاتحاد الوطني للطلبة الجزائريين… ووضعتُ معه بصمتي الأولى في عالم النشر الورقي… حيث عشتُ البياض بياض الورق وزرقة الحبر.
كتبت بادئ الأمر وأنا طالب في السنة الأولى علوم سياسية عن الجامعة ومعاهد الإلكترونيك… كنت أحنّ إلى سطيف فأزورها كاتبا وطالبا تجربة وجيزة، لكنها عرفتني بذلك الرجل الأشم، ابن الصحراء الذي علمني التواضع حين النصر…
الشروق العربي…قدري المحتوم
لكن عبد القادر أصرّ على أن يأخذني إلى تحدٍّ أكبر وأقوى، أصرّ على أن ألتحق به لنشكل سويا تلك الثنائية الإنسانية قبل الإعلامية… أذكر أنها وصلة إلى حدّاد دعاء الزميل نور الدين مراح لاحقا أنه لو كان الصغير سلام رئيسا للجمهورية يوما لكان ياسين تاكليت رئيس حكومته… وآه على القدر الذي جمعني بالشروق العربي… كانت طفرة في تاريخ الصحافة الجزائرية، فالشروق بقدر ماهي أروع بداية لأي كاتب صحفي فإنها أيضا ذلك الجرح العميق!.
خديجة… رحمك الله أيتها الطفلة البريئة
يالها من مبدعة تلك الشهيدة، زاد إبداعها خُلق المرأة الجزائرية الحرّة.. كيف لا وهي من تراب مدينة المسيلة الأصيلة.. وكيف لا أذكرها بعد كل هذه السنين وهي التي كانت تحضر لي القهوة كل صباح إلى مكتبي بالشروق مع قهوتها المعطرة بماء الزهر.. أذكر أنها عوّدتني أيضا رفقة الأخ الزميل سعيد مقدم وزمرة من الزملاء القرّاء والقارئات على زيارة عروض الأطفال بالمسرح الوطني أمسية كل خميس.. كيف لا أبكيها وقد تلقّيتُ نبأ استشهادها صدفة في مدينة جيجل تحت زخات المطر والمصدر قناة MBC وماحزّ في نفسي أني بكيتها لوحدي… فكانت الفاجعة أقسى وأمر…ثم التحقت بها نادية وبقيت سميرة وحيدة مثلي تماما… ذلك الثلاثي كان حقا بركة الشروق، وبعد ذلك بسنوات أحدّثكم بصفتي شاهد عيان، يشهد من زاوية ما رأى وما عرف وما عايشه في فترة تأسيس الصحافة الحرّة في الجزائر…
وهذا الأمر قد يفيد أكثر طلبة المعاهد والباحثين في خبايا تأسيس الصحافة المستقلة في الجزائر.
مجلة الرائد… رحلة الاستفزاز
خضتُ تجربة تأسيس مجلة الرائد المحلية والتي ذاع صيتُها في سطيف وضواحيها من العام 2008 إلى غاية منتصف 2011… كان معي في تلك المغامرة، الزميل الصديق سمير مخربش الذي اهتم بجلب الإشهار وتسيير الإصدار خارجيا، فيما أوكلت إليّ مهام عدّة، من تأسيسٍ وتطويرٍ، وأهم من كل ذلك تكوين فريق عمل محترف… والمشكلة في هذا الصدد أنك ستبدأ من الصفر، ما استفزّ ثانية ملكة التحدّي ونقل عدوى الانتصار لجيل جديد من الصحفيين والمبدعين، كانوا بمثابة إخواني الصغار أو أبنائي، هذا شعور حملتُه دائما إزاء من تعامل معي كرئيس تحرير وكانوا نعم الأخلاق والتربية، مازاد من همومي في إفادة الأجيال الجديدة بتجارب تأسيس الصحافة في الجزائر.
غير أن واقع الحال أثبت لي أن البدايات الآن ممكنة بأقل جهد، نظرا للتطوّر التكنولوجي في عالم الاتصال وأيضا لأن سطيف ليست العاصمة جغرافيا مناخيا وانضباطا.
عرجت بهذا القوس الجميل لأني أجني ثماره زرعًا طيبا مباركا… فوليد، كاتب معايير في مجلة الرائد هو الآن الدكتور وليد عثماني، أستاذ بكلية الأدب بالعربية السعودية، وصدر له حديثا كتاب “معايير في الثقافة والإعلام والحياة”، والذي استوحاه من تجربته في مجلة الرائد، وكان لي شرف تقديم الكتاب وتوضيح أهمية إرساء قواعد أخرى وأسُس مبتكرة للإعلام الحديث. وريحانة هي الآن في نسق وضع الرتوشات الأخيرةلإنهاء رسالة الدكتوراه في الإعلام، ببساطة، هي اليوم الدكتورة ريحانة بلوطي ولافخر، أذكر ملامحها البسيطة حين أحضرها عمي معيش رحمه الله، والدها وأخي في الإسلام، وقال لي بصريح العبارة “اعتني بها”… وأظنّه اليوم راضيا في قبره.
أما الأستاذ الطاهر مرابعي فقد أصدر كتاب “خبايا غرفة التحرير” وللأمانة فقد استوحى تفاصيل كتابه من تجارب أخرى خاضها بمفرده… غير أنه كان لمجلة الرائد الفضل الأكبر في الزجّ بهذا الرجل الخلوق في عالم الصحافة بكل تلك الدقة والموضوعية.
أما جوهرة الرائد الأستاذة أسماء كعلول فقد ناقشت مؤخرا رسالة ماستر في الإعلام وحصلت على تقدير جيّد جدا، مازادني فخرا، لأنها ببساطة،نموذجٌ للصحفي الإنسان… وأبقي التركيز على الموهبة الفنية اللاّمعة المبدعة عبد المالك كتفي شريف الذي عرفناه هاويا فيالأنفوغرافيا في الأعداد الأولى لمجلة الرائد، وها هو اليوم يملك إحدى أهم وكالات الإتصال، ليس بالمنطقة فقط، بل وطنيا، ولديه متعاملون من الحجم الثقيل،اتّسم بالتحكّم في ميدانه، حيث خاض معارك التكوين المعمّق ودفع فيها النفس والنفيس.. إنه ابن عين ولمان الحيي الطيب.
حتى لايسقط اسمك سهوا
لما أخذ عبد القادر سلام بيدي إلى الشروق العربي نهاية 1990… وكانت تنتهي بعنوان 09 شارع الملعب حيدرة الجزائر العاصمة… تذكر و نطبعا!
تعرفتُ يومها على الأستاذ علي فضيل… وهو الذي كان يعمل بجريدة المساء العمومية، قبل أن يبادر بتأسيس مؤسّسة الشروق، التي تشرف على إصدارأسبوعية الشروق العربي،وكان اللقاء ثلاثيا… علي عبد القادر ياسين، طلب مني تجهيز نموذج اجتماعي لشهر رمضان الفضيل، الذي لم يعد يفصلنا عنه سوى أسبوع من الآن… تحدّثنا عن ضرورة إثبات الذات أولا، قبل الخوض في أيّ التزام، وبطبيعة الحال كان عليّ أن أبادر سريعا وأثبت لربّ العمل أني هنا… مازلتُ أذكر سهري بالغرفة الجامعية مستلقيا على بطني لتبويب تصوّر سلسلة لرمضان والناس،والتي اهتديتُ في أولى حلقاتها لعنوان “الدوخة الجماعية”،تماشيا مع روح السخرية التي كانت تطبع الجريدة آنذاك،وصدر يوم الإثنين الموالي،وتوجّهتْ جحافا لطلبة لتقتني جريدة الشروق من الكشك الشهير ببن عكنون،وأسرع عبد القادر لاقتناء نسختين قبل نفاد الكمية… صدر الصفحة بالبنط العريض “رمضان والناس… الدوخة الجماعية”،يُزيّنه رسم كاريكاتيري معبّر، إنها الواجهة من أوّل عمل.. فخر واعتزاز وغرغرة دموع… لكن حينها،عندما ذهبنا إلى المحتوى وجدنا أن اسم ياسين تاكليت سقط…أسقط… عيبٌ ما في الماكنتوش، المهم علي بألف خير!؟وياسين لا يهم، فالمستقبل أمامه مازال طويلا والعاقبة للمتقين.
موجع.. موجع.. وموجع إلى يومنا هذا ذلك الحدث الأليم، كنت في العشرين من عمري أومن أيّما إيمان بالواجب قبل الحق، لكنني بدأتُ أتعلم لأني ببساطة لُدغتُ!