الرجل الذي كان يمشي على قدم واحدة، كان يبدو قصير القامة، بشع الصفات، سليط اللسان، كان يسب الدين ويحتقر الناس، ولا يبالي بأحد، بينما هو ذات يوم في الطريق، يشتم ويلعن كعادته، زلت به قدمه فجأة، وسقط في قعر حفرة ماتت فيها كثير من الكلاب الضالة، ووقعت فيها بعض الحيوانات، لكن أصحابها أنقذوها بشق الأنفس.

 

كانت قرية هادئة طيبة، شوه الفرنسيون طباعها وطيبتها، وأطلقوا عليها لقب قرية بني كلبون (نسبة إلى الكلب)، اشتهرت بقساوة قلوب أهلها، وولاء سكانها للكولون الفرنسي، من أصحاب المزارع من المعمرين، الذين استولوا عنوة على الأرض، وجعلوا من أصحاب القرية وأبنائهم، رعاة وخماسين وعمالا موسميين، لجني الزيتون والعنب والبرتقال والحصاد والدرس، ورعي الأبقار وتنظيف الخيول والعربات.

 

 

كانت تتوسط القرية حفرة مهجورة، ورثها السكان الأصليون من العهد الفرنسي البائد، ومع ذلك، لم تحاول بلديات الاستقلال المتعاقبة تباعا، ردمها أو تسويتها، بشكل يليق بشارع معلوم، تكثر فيه الحركة، ويستعمله الناس لقضاء حوائجهم، في الذهاب والإياب.

 

كان ذو القدم الواحدة، لا يزال يصرخ ويستغيث، كان يتوسل العابرين من الناس، أن أنقذوني أنقذوني،، لكن لا أحد التفت إليه، أو فكر في مساعدته وإخراجه حيا، لم يكن أحد من أهل القرية، ممن كانوا يمرون حوله، ويسمعون صراخه، يكلفون أنفسهم عناء السؤال عنه، وإنقاذه من الموت، كان كل من يراه أو يطل عليه، يلقي إليه بنظرات مريبة، وينصرف إلى حال سبيله.

 

قضى قرابة يوم كامل، معلقا بين الصراخ والبكاء، دون أن ينال عطف أحد من المارة، وقبل أن تطوي الشمس سحابة نهارها، في ذلك اليوم المشهود، كانت روحه قد فاضت إلى بارئها، وبدا جثة هامدة في حفرة عميقة الغور، بات قعرها قبره الأبدي، لقد مات ذو القدم الواحدة منبوذا، لم يعره أحد من سكان القرية، شعرة اهتمام، أو خيطا من شفقة، بل لم يسأل عنه كبير ولا صغير، ولا عابر سبيل.

 

بعد أيام قليلة، شوهد بعض المارة، وهم يغطون أنوفهم بمناديل، ويغيرون طريقهم إلى طرق أخرى، كانوا يفعلون ذلك هربا من الحفرة ورائحتها الكريهة، ومنهم من يتخذ مسالك جديدة، تفاديا لرؤية الجثة، قبل أن تتحلل وتصبح نسيا منسيا، وتحكيها الجدات في ليال الشتاء الطويلة، بدهشة واستغراب، وترويها لأطفال صغار، يتدفأون على مواقد الفحم، ويتلذذون بسماع القصص، والمطر يهمي في الخارج، حيث تمتلئ الحفرة بالماء الآسن، وتغرق الجثة في الأوحال، ويأخذها المطر في طريقه.

 

 

الدوحة: 18 مارس 2021